محطات على طريق القدس "كتائب القسّام" ... مسيرة تطور العمل العسكري — شؤون عسكرية وأمنية

محطات على طريق القدس "كتائب القسّام" ... مسيرة تطور العمل العسكري

محطات-على-طريق-القدس-كتائب-القسّام-مسيرة-تطور-العمل-العسكري

(١)

لم يعد شعار القدس موعدنا مستحيلاً، بعد أن لمع اسم كتائب القسام في بداية التسعينيات، وحفر مكانه على لوحة الشرف في طليعة قائمة التشكيلات العسكرية المقاومة للاحتلال الصهيوني، مقاومة القسام رفعت رأس الفلسطينيين والأمّة، وأدهشت العالم، وأرعبت الاحتلال، إذ لا يوجد اليوم ما يخيف الاحتلال أكثر من ذكر اسم القسام وفعلها، وخاصة أن الصهاينة عرفوا وخبروا تأثير هذا الاسم من خلال أفعاله في العمليات الاستشهادية والاقتحامات والكمائن من نقطة صفر وقصف الصواريخ والهاون والاشتباك المباشر (الالتحام) مع العدو. وأصبحت أسطورة الجيش الذي لا يقهر، محض خرافة وتسويق إعلامي، لتتجلى الحقيقة واضحة في الأداء البطولي للمقاومة.

بدأت كتائب القسام عملها العسكري بالسكين ثم بمسدس ثم بندقية، وصنعت رشاشاً بأيدي أبنائها صناعة محلية، وتطور سلاحها إلى العبوات الناسفة مثل عبوة "شواظ"، والعمليات التفجيرية التي استخدمت فيها الأحزمة الناسفة، إضافة إلى القنابل والمتفجرات ذات التفجير عن بعد.

ومنذ بداية الانتفاضة الأولى وحتى نهاية 1990 كانت حصيلة العمليات التي نفذتها خلايا حماس العسكرية ما يقارب 22 قتيلاً، ما لا يقل عن 15 قتيلاً منهم بسبب عمليات الطعن، وذلك من مجموع عدد القتلى الإسرائيليين عموماً والذي بلغ 79 قتيلاً خلال تلك الفترة.

في 1يناير/كانون ثاني1992، أصدرت كتائب القسام، بيانها الأول، وعممته إثر عملية قامت بها خلية تابعة لها بقتل حاخام "مستوطنة كفارداروم" (دورون شوشان)، وفي هذا البيان تم الإعلان رسميا عن هوية الكتائب كجناح مسلّح لحركة "حماس".

جاء عام 1993 حاملاً معه ذروة العمل العسكري للخلايا العسكرية، إذ استطاعت الخلايا في الضفة وغزة خوض حرب عصابات مصغرة ضدّ الأهداف الإسرائيلية، كما جرت فيه أول عملية استشهادية نفذها ساهر تمام في أبريل/ نيسان، وقد أوقعت الخلايا العسكرية التابعة لـ"لكتائب القسام" أكثر من 56 قتيلاً من مجموع القتلى الإسرائيليين الذين قُتِلوا خلال ذلك العام والبالغ عددهم 61 قتيلاً، وذلك مقارنةً بـ19 قتيلاً في عام 1992. كما نجحت الخلايا العسكرية بتنفيذ 57 عملية خلال عام 1993 مقابل 22 عملية في عام 1992.

ومع اندلاع "انتفاضة الأقصى" في أيلول/ سبتمبر 2000 (الانتفاضة الثانية) دخلت كتائب القسام بكل قوة فيها، والتي سرعان ما تحولت لاحقًا إلى انتفاضة مسلحة، حيث نفذت "كتائب القسام" سلسة عمليات فدائية وأوقعت عشرات القتلى في صفوف الاحتلال.

نتائج العمل العسكري لكتائب القسام دخلت العلم العسكري وأصبحت مدرسة في حرب العصابات والتخطيط العسكري والامني، ووقفت الكتائب بقوة وشموخ لتصنع واقعاً جديداً، حفر في الذاكرة الوطنية الفلسطينية ملاحم جهادية رائعة أعادت للأمة العزة والكرامة، وعرف الصهاينة لأول مرة أن الحرب لها طعم آخر، والخصم هذه المرة يختلف عن سابقه.

مع هذا الصعود والنمو الواسع في القدرات العسكرية، تحولت «كتائب القسام» في هيكلها البنائي بمرور السنوات لتصير أشبه بالجيوش. إذ يتكون جيش القسام من تشكيلات عسكرية، تبدأ من الفرد والمجموعة، مرورا بالفصيل والسرية، وانتهاءً بالكتيبة واللواء، ووفق نشرات وتصريحات القسام فيتم تقسيم جيش القسام إلى ستة ألوية، يضم كل لواء 5 آلاف مقاتل، وينضوي على أربع أو خمس كتائب، وتقدَّر كثير من المصادر عدد عناصر القسام بـ40 ألف مقاتل، يتوزعون على العديد من الوحدات والكتائب التي تنتشر في قطاع غزة، لكل وحدة مهام معينة منوطة بها، ومواقع تعمل انطلاقًا منها.

تميزت كتائب القسام منذ انطلاقها بقدرتها على تحديد الأهداف بدقة، والتركيز على جنود الاحتلال وعسكريه وضباط استخباراته، والمستوطنين في بعض الأحيان بهدف الرد على استفزازاتهم وجرائمهم ضد أبناء شعبنا. وكان لهذا التميز في تحديد الأهداف العسكرية أثره الواضح على العدو الصهيوني الذي لم يتوان قادته العسكريون في الإعلان عن المأزق الذي يواجهونه.

وأثبتت كتائب القسام، بعملياتها الفدائية النوعية التي اتسمت بالجرأة المتميزة والتخطيط الدقيق والسيطرة على الموقف عند التنفيذ، أنها بفضل الله أقوى من كل مخططات الصهاينة الذين يُسخرون كل طاقات أجهزتهم الأمنية والاستخبارية وأدمغة مفكريهم وخبرائهم العسكريين.

آخذ الأداء العسكري لكتائب القسام يتطور في التصاعد بصورة متسارعة بعد اندحار الاحتلال الصهيوني من قطاع غزة عام 2005م وفوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية عام 2006 ، مما أربك حسابات العدو الصهيوني، وجعل قادة جيش الاحتلال يعدّون للألف قبل أي عمل عسكري يُقْدِمون عليه، ومن خلال متابعتي لعمليات القسام منذ نشأتها ألحظ مهنية عالية ورؤية ثاقبة، ما يدل على وجود التخصُّص والاحتراف في كل المجالات؛ ففي الميدان العسكري أبدعت كثيرًا من أدوات المقاومة، وأدخلتها قاموس النضال الفلسطيني، مثل الصواريخ، والعمليات الاستشهادية، واقتحام "المستوطنات"، والكمائن المتحركة، وعمليات الأنفاق، الضفادع البشرية، وكذلك الاحتراف الإعلامي لدى الدائرة الإعلامية للقسام.. ، ويلاحظ المتتبع لتاريخ كتاب القسام العسكري أنها أدركت ضرورة التعلم والتدريب والاستزادة والاستفادة من الخبرات السابقة، ومحاولة البدء من حيث انتهى الآخرون؛ من أجل الوصول وتحقيق الاحتراف بشكله الصحيح، والتعلم من الأخطاء السابقة، وتلافي هذه الأخطاء أثناء العمل .

وصل جنود القسام إلى الاحتراف كلٌ في مجال عمله وتخصصه العسكري، كذلك زادت الخبرة والاحتراف القتالي في الميدان الحقيقي للمعركة لدى رجال المقاومة من قوتها ومناعتها، فالمقاتلون الذين خاضوا معارك شرسة شرق قطاع غزة وشماله في حرب العصف المأكول وغيرها من المعارك وواجهوا جنود العدو وجهاً لوجه عادوا بثقة أكبر، وكسروا أي حاجز نفسي كان من الممكن أن يشكل عائقاً أمام المقاتل الفلسطيني، لذلك لا نستغرب إذا استمعنا لشهادات جنود الاحتلال العائدين من المواجهات مع الكتائب من قبيل "نحن نقاتل جيشاً نظامياً عالي التدريب.. ليست هذه غزة التي تركناها قبل سنوات! " وهذا المحلل العسكري الإسرائيلي "آفي يسخاروف" يقول: "إن كتائب القسام بعد الحرب الأخيرة على قطاع غزة أصبحت بعيون العالم ليست مجموعة من المقاتلين الهواة أو خلايا مسلحة"، وإن جيش القسام أصبح قوة رادعة خاضت أصعب ثلاثة حروب ما كان لجيش في دولة أن يتحملها، بل إن عملية "ناحل عوز" المصورة ومشهد الجندي الإسرائيلي وهو يصرخ خوفاً أوصلت للجميع.. للعدو والصديق رسالة مفادها أن مقاتلي القسام باتوا يمتلكون من الحرفية العسكرية في أرض المعركة ما يضاهي ويتفوق على مقاتلي أكثر الدول تقدماً، فهذا الجندي الإسرائيلي الأكثر إعداداً وتسليحاً في المنطقة، يسقط أمام مقاتلي القسام مذعوراً، فقوة مقاتلي القسام تكمن في "الإنسان" وليست في السلاح أو العتاد فقط، فكتائب القسام تراهن على المقاتل وعقيدته وخبراته القتالية المتراكمة.

تميزت بها كتائب القسام عبر وحداتها المتعددة؛ فهذه وحدة الضفادع البشرية تسجل اختراقاً عسكرياً نوعياً بالهجوم من البحر على قاعدة زيكيم العسكرية لأول مرة خلال معركة العصف المأكول بتاريخ 8 يوليو 2014، حيث شكل هذا المشهد تطوراً لافتاً في أداء القسام وامتلاك مقاتليه الخبرة والاحتراف الذي أربك حسابات الاحتلال، هذا ما دعا ضابط كبير في سلاح البحرية الإسرائيلية، للقول: "إن وحدات الكوماندوز البحرية التابعة لكتائب القسام ستحتل مكاناً مركزياً في أي مواجهة قادمة".

وهذه وحدة الأنفاق وخاصة الأنفاق الهجومية والتي تم تجهيزها على مدار سنوات عبر وحدة الهندسة المسؤولة عن التصنيع وحفر الأنفاق، والتي كانت كلمة السر في تدمير معنوية جيش الاحتلال وتحييد قدرته الجوية القاسية، ومنها واجه القسام وحدات النخبة من خلال عمليات التسلل خلف خطوط العدو، واقتحام القواعد العسكرية، والمواجهة مع العدو من مسافة صفر حيث أوقعوا فيهم قتلاً وأسراً لم يعهدوه، ونفذوا العديد من عمليات الاقتحامات خارج حدود قطاع غزة الحالية.

كما لعبت وحدة الدروع المسؤولة عن التصدي للمدرعات والدبابات دوراً نوعياً في تفجير عدد من الآليات وقتل عدد من جنود العدو، وبرز أيضاً دور وحدة الدفاع الجوي كوحدة جديدة أربكت حركة الطيران العدواني، وأسقطت عدداً من طائرات الاستطلاع، علاوة عن طائرات أبابيل بنماذجها الثلاثة، والتي أنتجتها وحدة القوات الجوية والقدرة المعلوماتية العالية، إضافة إلى بندقية (غول) ودقتها والقنص المتكرر، كذلك وحدة الظل، وهي إحدى أبرز الوحدات في كتائب القسام ، حيث يتم اختيار جنود هذه الوحدة وفق معايير دقيقة ويتم إخضاعهم لاختبارات عديدة ويمتاز جنودها لمهارات متنوعة وحنكة وخبرة قتالية عالية، كما أشار أبو عبيدة إلى أن المهمة الأولى لوحدة الظل هي تأمين أسرى العدو وإبقاؤهم بالمجهول، وإحباط أي محاولة لتحريرهم، ولا ننسى دائرة الإعلام العسكري إحدى أركان الحرب المعاصرة، فمن خلالها تم ضرب الجبهة الداخلية للكيان في الصميم، ومن خلالها تم كشف الجرائم التي يقترفها العدو، والبطولات التي يسطرها المجاهدون والتي اكتسبت هيبة ومصداقية عالية، ومَثّل أبو عبيدة الناطق باسم القسام أيقونة هذه الدائرة.

كما برز دور العديد من الوحدات القتالية في المعارك الأخيرة مع العدو الصهيوني، وبالأخص وحدة الإسناد والإمداد والتموين، المسؤولة عن توفير الدعم اللوجيستي للكتائب المنتشرة على حدود القطاع، من سلاح، وذخيرة، وغذاء، وأدوية، ووقود، ووحدة الإشارة والاتصالات. ومركز القيادة والتحكم الذي يوزع المهام وينشر التعميمات، ويقوم بالحرب الإلكترونية؛ كالتشويش على المحطات الفضائية الإسرائيلية، واختراق الترددات العسكرية والمواقع الإلكترونية.

هذه بعضاً من وحدات القسام المختلفة... والشاهد في امتلاك هذه الوحدات وتنوع مهامها وتصاعد التطور العسكري للقسام هو التخصص والاحترافية، والإجادة التامة للعمل العسكري في ميدان المعركة، وإثبات القدرة والكفاءة بالرغم من أن موازين القوى ليست متكافئة بين جيش الاحتلال وكتائب القسام، ورغم ذلك فقد سطر مجاهدو القسام إبداعاتهم في الميدان، مما شكل مَعْلماً جديداً يؤسس لمرحلة تصاعدية من الاحتراف والارتقاء بالعمل العسكري ينبئ لنا بأمل ومستقبل واعد نحو تغيير جذري في الصراع مع العدو الصهيوني، والخلاص من نير الاحتلال وطغيانه، ستبقى القدس موعدنا ووقود معركة التحرير حتى نيل الحرية والاستقلال وإقامة الدولة.